عبد الملك الجويني

44

نهاية المطلب في دراية المذهب

وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جَرّ ( 1 ) نصرانية . والقول الضابط في ذلك ، أن ما تحققنا نجاستَه ، أو طهارته لا يخفى حكمه . فأما ما يُتردّد فيه ؛ فإنه ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها - ما يغلب على الظن طهارته ؛ فالوجه الأخذ بطهارته . ولو أراد الإنسان أن يطلب يقين الطهارة ؛ فلا حرج عليه ، بشرط ألاّ ينتهي إلى الوساوس التي تُنكد عيشَه ، وتُكَدر عليه وظائف العبادات ؛ فإن المنتهي إلى ذلك خارجٌ عن مسالك السلف الصالحين ، والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة ، أو نقصانٌ في غريزة العقل . والقسم الثاني - ما يستوي في نجاسته وطهارته التقديران ؛ فيجوز الأخذ ( 2 بطهارته ولو انكفَّ المرءُ عنه ، كان محتاطاً . والقسم الثالث - ما يغلب على الظنّ نجاستُه ، فللشافعي 2 ) فيه قولان : أحدهما -

--> = أن نقل هذا عن المجد ابن تيمية وابن حجر - : لم أجده . ثم يذكر بعد ذلك حديث عمران بن حصين نفسه ، الذي ذكره ابن حجر في ( بلوغ المرام ) - بطوله ، ثم يعقب عليه قائلاً : " فأنت ترى أنه ليس في الحديث توضؤه صلى الله عليه وسلم من مَزَادة المشركة ، ولكن فيه استعماله صلى الله عليه وسلم لمزادة المشركة " اه‍ قلت : لا أدري ماذا يقصد شيخنا الألباني بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ من مزادة المشركة ، ولكنه استعملها ؟ . ففيم استعملها صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، وفي الحديث ما نصه : " . . . دعا النبي صلى الله عليه وسلم بإِناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين . . . ونودي في الناس : اسقوا واستقوا . . . وأعطى الذي اصابته الجنابة إِناءً من ماء ، وقال : اذهب فأفرغه عليك " ففيم استعمل المسافرون في الصحراء هذا الماء ؟ أفي غير الشرب والطهارة ؟ إِلا إِذا أراد أنه لم يجده بهذا اللفظ . والله أعلم . ( ر . سبل السلام : 1 / 71 ، نيل الأوطار : 1 / 87 ، وإرواء الغليل للألباني : 1 / 72 - 74 ) . هذا ، والمزادة بفتح الميم والزاي ، بعدها ألف مدّ ، ثم دال مهملة مفتوحة ، وهي الراوية ، ولا تكون إلا من جلدتين ، تقام بثالث بينهما لتتّسع ، كما في القاموس . ( 1 ) أي من جرار نصرانية ، فالجرّ جمع جرّة . ( القاموس ) وفي ( م ) جرة . ووضوء عمر من جرار النصرانية ، رواه الشافعي رضي الله عنه عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه : أن عمر بن الخطاب توضأ من ماء نصرانية ، في جرة نصرانية ( ر . الأم : 1 / 7 ) ورواه الدارقُطني : 1 / 32 ، والبيهقي : 1 / 32 ، وأورده المجد في المنتقى ، وحكم عليه بالصحة ، ووافقه الشوكاني ( ر . نيل الأوطار : 1 / 81 ) . ( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ( م ) .